📚 عرض المقال
العودة إلى المدونة

من الظلمات إلى النور

بواسطة: محمد الملط محمد الملط 2026/07/27 23:41

يقف التأمل عند قوله تعالى في سورة الحديد:


{هُوَ ٱلَّذِى يُنَزِّلُ عَلَىٰ عَبْدِهِۦٓ ءَايَٰتٍۭ بَيِّنَٰتٍ لِّيُخْرِجَكُم مِّنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ وَإِنَّ ٱللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ}


ليجد نفسه أمام إعلان كوني حاسم يحدد الغاية الأساسية من تنزيل الوحي؛ وهي تحويل خط سير البشرية ونقلها من حالة "الشتات والانتروبيا الفكرية" إلى حالة "الاستقامة والنور المعرفي".


لم يصف الله آياته بالغموض أو التعقيد، بل وصفها بأنها "بينات"؛ أي جليّة، واضحة، وقاطعة للشك. إن هذه الآيات المتنزلة ليست مجرد نصوص تتلى لطقوس عابرة، بل هي مدخلات معرفية وقوانين حيوية تفكك الألغاز الوجودية. هي شفرات توجيهية حاسمة كشفت للإنسان ليرى بها حقائق المادة والطاقة، وسنن النفس والاجتماع، وليبني عليها حضارته وعمارته للأرض بعين البصيرة لا بخبط العشواء.


من أدق الأسرار البيانية في القرآن أنه حين يذكر الجهل والضلال يجمعهما (الظلمات)، وحين يذكر الحق والهدى يفرده (النور):


الظلمات (جمع): تتعدد بتعدد الخرافات، والأهواء، والجاهليات المبتكرة في كل عصر. إنها حالة التخبط في الفراغ العشوائي؛ حيث تتشعب الشكوك وتتصارع العصبيات والأوهام القومية والفكرية.


النور (مفرد): الحقيقة واحدة لا تتجزأ. النور هو خط الاتزان الفيزيائي والروحي، وهو المنظومة الفكرية الصافية التي تنتشل العقل البشري من ظلمات العجز والقعود، لتبث فيه الوعي والفاعلية والعمل المثمر.


الآية تقول: (لِيُخْرِجَكُم)؛ والاستخدام هنا يعبر عن حركة وانتقال من بيئة إلى بيئة. فالقرآن لا يترك الإنسان خاملا في ظلامه ثم يسقط عليه الشعاع وهو قابع في مكانه، بل يدق ناقوس الوعي ليحثه على "الخروج". إنها عملية تطهير معرفي تتطلب من الإنسان إرادة للسعي، ورفضا للواقع المظلم، وإقبالا على سنن الله في العلم والبحث والإصلاح.


تُختتم الآية بصفين جليلين من صفات الذات الإلهية: (وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ).

إن هذا التنزل الدائم للحقائق، وهذه الهداية المستمرة، ليسا فرضا لسيطرة بل هما تجلٍّ مطلق للرأفة والرحمة الإلهية. فمن رأفته سبحانه أنه لم يترك هذا المخلوق تائها في مجرات هذا الكون الفسيح، يصارع القوانين الجاهلة أو يستسلم لعدمية الفناء، بل أرسل له "دليل الملاحة الوجودي" ليعصمه من الهلاك ويضمن له الحياة الطيبة في الدنيا والخلود السعيد في الآخرة.


إن الخروج من الظلمات إلى النور ليس مجرد أمنية مجردة، بل هو مشروع حضاري وعقلي يبدأ عندما ندرك أن آيات الله البينات هي المصباح الوحيد الموثوق الذي ينير لنا دروب العلم، ويحرر قلوبنا من قسوة الجاهلية، ويمنح حياتنا معنى ونظاما وإحسانا.

💬 التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق على هذا المقال!